عرب وعالم

منع النساء من العمل في المنظمات غير الحكومية.. هل كشف الانقسامات داخل طالبان الأفغانية؟


09:22 م


الثلاثاء 03 يناير 2023

كابول – (ا ف ب)

أمرت قيادة حركة طالبان في 24 ديسمبر المنظمات غير الحكومية بالتوقف عن تشغيل النساء الأفغانيات ما أدى إلى تنديد دولي وأيضا معارضة واسعة داخل البلاد. ويكشف هذا القرار عن وجود خلافات داخل الحركة في وقت تغرق أفغانستان في أزمة اقتصادية ومعيشية.

انتهى عام 2022 بطريقة سيئة بالنسبة إلى سحر، ففي 24 ديسمبر، تلقت رسالة عبر تطبيق واتساب من إحدى زميلاتها تحتوي على مرسوم صادر عن سلطات طالبان.

ويتحدث قرار الحركة الإسلامية الحاكمة “عن تشكيات جدية بخصوص عدم احترام ارتداء الحجاب” وأمرت من خلاله المنظمات الوطنية والدولية غير الحكومية بعدم تشغيل النساء”. وفي حال رفضها الانصياع للقانون الجديد، فإن المنظمات غير الحكومية المتعنتة ستتعرض لسحب رخصتها التي تتيح لها النشاط في أفغانستان.

وكان وقع الصدمة كبيرا على سحر، 24 عاما، التي تعمل مساعدة إنسانية حيث تقول الفتاة التي كانت تعمل لمنظمة لن نذكر اسمها لأسباب أمنية: “لقد بدأت بالبكاء بدون توقف، لم أتخيل أن ذلك يمكن أن يحدث، اليوم فقدت أهم حقوقي: الحق في العمل”.

بهذا القرار، تقوم حركة طالبان بخطوة إضافية إلى الخلف فيما يتعلق بحقوق المرأة في أفغانستان. كما أن لهذا القرار تداعيات اقتصادية واجتماعية كارثية. فسحر مثلا كانت الوحيدة التي تعمل في عائلة تضم تسعة أفراد. وتضيف: “كل رجال العائلة فقدوا عملهم. كنت الوحيدة القادرة على توفير إيجار البيت والغذاء والأدوية وتعليم إخوتي الصغار”.

وفيما كانت باقي دول العالم تحتفل بدخول العام الجديد بالألعاب النارية، كانت أفغانستان تغرق بالمقابل في مزيد من الظلامية. فالصورة التي سوقتها طالبان بعد عودتها للحكم على أنها أكثر حداثة وبراغماتية، خصوصا خلال المفاوضات مع الولايات المتحدة بالدوحة، سرعان ما تحطمت خلال الأشهر الأخيرة. حيث تبدو قيادة الحركة أكثر عزما اليوم على تحويل حياة الأفغانيين إلى كابوس وإقصاء المرأة من الفضاء العام.

“طالبان كابول” مقابل “طالبان قندهار”

أدى هذا الوضع إلى تصاعد الغضب وسط السكان وتزايدت المظاهرات العفوية رغم مخاطر القمع. بل أكثر من ذلك، حيث بدت بوادر انقسامات بالظهور داخل الحركة.

وحسب عدة مصادر مطلعة، فإن قرار منع النساء من العمل لصالح المنظمات غير الحكومية صعّد الاحتقان داخل الحركة: “هذا القرار يمثل رأي الأقلية داخل طالبان. الأغلبية، حتى من كوادر الحركة، عارضت هذا القرار” حسب تأكيد زلماي خليل زاد من واشنطن، وهو المبعوث السابق لأفغانستان إلى الولايات المتحدة، والذي كان في الصفوف الأولى لمفاوضات الدوحة 2020.

وكان زلماي خليل زاد قد غادر منصب المبعوث الخاص إلى الولايات المتحدة في 2021 لكنه بقي على اتصال وثيق مع مسؤولي طالبان حيث يقول “كان لدي اتصال معهم في الماضي وأواصل التحادث معهم اليوم وشق واسع منهم يعارض هذا القرار”.

وحسب مراقبين، فإن الحركة تمر بمرحلة انشقاق بين الخط المعتدل والدائرة المحافظة التي تحيط بهبة الله أخوند زاده، ملاّ الحركة الذي يعيش في قندهار جنوب البلاد.

ويقف هذا الحرس القديم لطالبان القادم من مناطق ريفية، والذي يطلق عليه “القندهاري” أو “الشورى”، وراء القرارات المثيرة للجدل من الحركة على غرار منع الفتيات من التعليم في المدارس الثانوية والجامعات أو إقصاء النساء من معظم وظائف القطاع العام. ومنذ نوفمبر، منعت الحركة النساء من ارتياد الحدائق وقاعات الرياضة والحمامات العامة.

إقالة وزراء قطعوا وعودا بالانفتاح

أول مؤشر للانقسام داخل الحركة ظهر منذ ربيع 2022 عند اتخاذ قرار حرمان الفتيات من التعليم. ففي أواخر مارس، أغلقت سلطات طالبان أبواب المدارس الإعدادية والثانوية أمام الفتيات بعد ساعات قليلة من إعادة فتحها. وأدى هذا القرار المفاجئ إلى حالة أسى وحسرة وسط الطالبات اللاتي كن بصدد الاستعداد للعودة إلى مقاعد الدراسة.

وكان وزير الخارجية شير محمد عباس ستانيكزاي عبر علنا عن رفضه لذلك خلال خطاب تلفزيوني أثناء اجتماع لكوادر الحركة في كابول.

إلى ذلك، ماطلت الحركة طويلا بشأن التعليم الجامعي للطالبات. فبعد أن أعطت الضوء الأخضر لهن بالدراسة بالجامعات بشرط فصل صارم بين الذكور والإناث. لكن وزير التعليم العالي عبد الباقي حقاني، الذي قرر السماح للطالبات بالدراسة الجامعية، تمت إقالته في أكتوبر 2022. وبعد شهرين، منع خلفه المتشدد نداء محمد نديم الطالبات من مزاولة التعليم الجامعي.

في الأثناء، كان وزير التعليم في تلك الفترة نور الله منير وعد في سبتمبر 2022 بالسماح للفتيات بالدراسة لكنه لاقى مصيرا مشابها لعبد الباقي حقاني. حيث تمت إقالته العام الماضي لصالح شخصية مقربة من “شورى قندهار” والملا هبة الله أخوند زاده.

من جهته، يقول أحمد وليد كاكار مؤسس موقع “ذي أفغان آي” الإعلامي: “هناك أقلية نافذة تحيط بالملا، السؤال الآن هو معرفة ما إذا كانت هذه القرارات قابلة للاستمرار رغم المعارضة المتنامية وسط السكان وصلب الحركة أيضا”.

“لن أستسلم”

كان يمكن لهذه الانقسامات أن تؤدي إلى تشرذم الحركة، حسب رأي أحمد وليد كاكار الذي يضيف “من الناحية الإيديولوجية، أعضاء طالبان ملتزمون دينيا باتباع قائدهم حتى وإن كانوا على خلاف معه. الحالة الوحيدة التي يحق لهم الخروج فيها عن طاعته هي ارتكابه أمرا مخالفا للإسلام”.

“أعتقد أن على قيادات طالبان توحيد الصفوف ومعارضة هذا القرار (منع الأفغانيات من العمل مع المنظمات غير الحكومية)” يردف خليل زاد الذي يؤكد أن مسؤولي طالبان الذين يتواصل معهم يقولون إنهم “يتفهمون” وجهة نظره لكنهم يطالبون بالتحلي بـ”الصبر” مضيفا “إذا لم يتحركوا، فإنهم بذلك يديرون ظهرهم للأفغانيين”. الغضب يتنامى وسط الرأي العام وهناك دوافع تحرك من يريد إشعال حرب، وهذا ما لا يريده الشعب الأفغاني ولا قيادات طالبان أيضا.

وبينما يطالب قسم من مسؤولي طالبان بمزيد من الوقت، تغرق النساء الأفغانيات في حالة من اليأس والأبواب تغلق أمامهن واحدا تلو الآخر. في كابول، تقول سحر إنها قلقة بشأن تمويل المشروع الذي تشرف عليه: “كنا بصدد إعداد مشروع على المدى الطويل وكنا متفائلين بشأن الحصول على تمويل، ولكن مع قرار سلطات طالبان، فإن المانحين ليسوا متأكدين من استمرار التمويل”.

ولكن مع بداية العام الجديد، ترفض سحر الاستسلام: “أطالب الناس في العالم أجمع، بعدم التخلي عن أفغانستان. الوضع صعب جدا لكنني لن أستسلم. ما زلت متفائلة بسنة 2023. ستكون هناك أيام أفضل. ولن يتم نسيان نساء أفغانستان”.

زر الذهاب إلى الأعلى